محمود سالم محمد

361

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وتتفاوت معارضات قصيدة كعب بتفاوت حظ الشعراء من الشاعرية ، فبعضهم يتكئ عليها اتكاء تاما ، فيتابعها بيتا بيتا ، وبعضهم يأخذ الشكل العام ، لكنه يظهر ذاتيته في الصياغة والمضمون ، وبعضهم يزيد عليها أو ينقص منها ، وكلهم يحافظون على الشكل وتسلسل الأجزاء . وإذا أردنا استيفاء معارضات البردة ، لصعب علينا ذلك ، ولقينا من أمرنا شططا ، وإنما نريد إيضاح فكرة المعارضة وأثرها على الشكل ، فشعراء المديح النبوي لم يجدوا قصيدة مشهورة إلا عارضوها . وقد عورضت قصيدة كعب في المراحل السابقة للعصر المملوكي ، عارضها الأبيوردي ، وعارضها الزمخشري وغيرهما ، واستمرت معارضتها إلى ما بعد العصر المملوكي ، فأضحى شكلها شائعا في شعر المديح النبوي عبر العصور . ولاحظ المقري حين أورد قصيدة ابن لبّ « 1 » ، أنها معارضة لقصيدة أخرى ، فبعد أن أورد القصيدة التي مطلعها : إذا القلب ثار أثار ادّكارا * لقلبي فأذكى عليه أوارا قال : « وقصد - رحمه اللّه - بهذه القصيدة ، معارضة قصيدة للشهاب محمود ، التي نظمها بالحجاز في طريق المدينة المشرفة ، على ساكنها الصلاة والسلام ، وهي طويلة ، ومطلعها : وصلنا السرّى وهجرنا الدّيارا * وجئناك نطوي إليك القفارا وقد تبارى الشعراء في هذا الوزن وهذا الروي ، ومنه القصيدة المشهورة : أقول وآنست بالحيّ نارا « 2 » فالمعارضة طريقة من طرق الحفاظ على الشكل الشعري التقليدي ، لكنه قدّم فيه

--> ( 1 ) ابن لب : فرج بن قاسم بن أحمد التغلبي ، كان مشاركا في الفقه والأدب ، وكان معظما عند العامة والخاصة ، درّس وولي الخطابة ، توفي سنة ( 783 ه ) . المقري : نفح الطيب 5 / 509 . ( 2 ) المقري : نفح الطيب 5 / 510 .